ابن قتيبة الدينوري
171
تأويل مشكل القرآن
ومن ذلك الجزاء عن الفعل بمثل لفظه والمعنيان مختلفان : نحو قول اللّه تعالى : إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ( 14 ) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [ البقرة : 14 ، 15 ] ، أي يجازيهم جزاء الاستهزاء . وكذلك : سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ [ التوبة : 79 ] ، وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ [ آل عمران : 54 ] ، وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [ الشورى : 40 ] ، هي من المبتدئ سيئة ، ومن اللّه ، جل وعزّ ، جزاء . وقوله : فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ [ البقرة : 194 ] : فالعدوان الأول : ظلم ، والثاني : جزاء ، والجزاء لا يكون ظلما ، وإن كان لفظه كلفظ الأول . ومنه ( قول النبي ) صلّى اللّه عليه وسلم : « اللهم إنّ فلانا هجاني ، وهو يعلم أني لست بشاعر ، اللهم والعنه عدد ما هجاني ، أو مكان ما هجاني » « 1 » ، أي جازه جزاء الهجاء . وكذلك قوله : نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [ التوبة : 67 ] . ومنه أن يأتي الكلام على مذهب الاستفهام وهو تقرير : كقوله سبحانه : أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [ المائدة : 116 ] ، وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى ( 17 ) [ طه : 17 ] ، و ما ذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [ القصص : 65 ] ، قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ [ الأنبياء : 42 ] . ومنه أن يأتي على مذهب الاستفهام وهو تعجب : كقوله : عَمَّ يَتَساءَلُونَ ( 1 ) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ( 2 ) [ النبأ : 1 ، 2 ] ، كأنه قال : عمّ يتساءلون يا محمد ؟ ثم قال : عن النبأ العظيم يتساءلون . وقوله : لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ ( 12 ) [ المرسلات : 12 ] على التعجب ، ثم قال : لِيَوْمِ الْفَصْلِ ( 13 ) [ المرسلات : 13 ] أجّلت .
--> وجمهرة أشعار العرب ص 703 ، وتاج العروس ( أم ) ، ( هوى ) ، وبلا نسبة في تهذيب اللغة 6 / 492 ، 14 / 274 ، والمخصص 12 / 182 ، ولسان العرب ( هبل ) . ( 1 ) أخرجه ابن أبي حاتم الرازي في علل الحديث 2283 ، والطحاوي في مشكل الآثار 4 / 300 ، 324 ، والجرح والتعديل 23 / 2 ، 391 ، والبخاري في التاريخ الكبير 4 / 1 ، 44 ، 3 / 2 / 391 ، والعقيلي في الضعفاء 355 ، والذهبي في تاريخ الإسلام 4 / 277 ، والمزي في تهذيب الكمال 446 ، وميزان الاعتدال 3 / 61 / 317 ، وتهذيب التهذيب 7 / 165 ، 8 / 218 .